يزيد بن محمد الأزدي
103
تاريخ الموصل
واستنقذ الموفّق من طهيثا نحو عشرة آلاف أسير فسيرهم إلى واسط ، وأخذ من المدينة تحفا وأموالا ، بحيث استغنى عسكره ، وأقام بها الموفّق أياما ثم هدمها . مسير الموفّق إلى الأهواز : وكان المهلّبىّ مقيما بالأهواز في ثلاثين ألفا من الزّنج ، فسار إليها الموفّق ، فانهزم المهلّبيّ وتفرّق جمعه ، وانهزم بهبوذ الزّنجىّ ، وبعثوا يطلبون الأمان ؛ لأنه كان قد ظفر بطائفة كبيرة من أصحاب الخبيث وهو بنهر أبى الخصيب . تمهيد الموفّق للبلاد : ثم سار الموفّق إلى جنديسابور ثمّ إلى تستر فنزلها ، وأنفق في الجند والموالى ، ثم رحل عسكر مكرم ومهّد البلاد ، ثم رجع وبعث ابنه أبا العبّاس إلى نهر أبى الخصيب لقتال الخبيث . فبعث إليه الخبيث سفنا ، فاقتتلوا ، فهزمهم أبو العبّاس ، واستأمن إليه القائد منتاب الزّنجىّ ، فأحسن إليه . وكتب الموفّق كتابا إلى الخبيث يدعوه إلى التّوبة إلى الله والإنابة إليه ممّا فعل من سفك الدّماء وسبى الحريم وانتحال النبوّة والوحي ، فما زاده الكتاب إلّا تجبرا وعتوّا . وقيل : إنه قتل الرسول ، فسار الموفّق في جيوشه إلى مدينة الخبيث بنهر أبى الخصيب ، فأشرف عليها ، وكان قد سمّاها المختارة ، فتأمّلها الموفّق ورأى حصانتها وأسوارها وخنادقها ، فرأى شيئا لم ير مثله ، ورأى من كثرة المقاتلة ما استعظمه ، ورفعوا أصواتهم ، فارتجّت الأرض ، فرشقهم ابنه أبو العبّاس بالنّشّاب ، فرموه رمية واحدة بالمجانيق والمقاليع والنّشّاب ، فأذهلوا الموفّق ، فرجع عنهم ، وثبت أبو العباس واستأمن جماعة من أصحاب الخبيث إلى أبى العبّاس فأحسن إليهم ، ثم استأمن منهم بشر كثير ، فخلع على مقدّمهم . فلمّا كان في اليوم الثّانى جهّز الخبيث بهبوذ في السماريّات ، فالتقاه أبو العباس ، فاقتتلوا ، فأصاب بهبوذ طعنتان ونشاب ، فهرب إلى الخبيث ، ورجع أبو أحمد إلى معسكره بنهر المبارك ومعه خلق قد استأمنوا . فلمّا كان في شعبان برز الخبيث في ثلاثمائة ألف فارس وراجل ، فركب الموفّق في خمسين ألفا ، وكان بينهم النهر ، فنادى الموفّق بالأمان لأصحاب الخبيث ، فاستأمن إليه خلق كثير ، ثم انفصل الجمعان عن غير قتال . بناء الموفقيّة : ثم بنى الموفّق مدينة بإزاء مدينة الخبيث على دجلة وسمّاها الموفّقيّة ، وجمع عليها خلائق من الصّنّاع ، وبنى بها الجامع والأسواق والدّور ، واستوطنها النّاس للمعاش .